ليلة النصف من شعبان

 كل عام و أنتم بخير

انتصف الشهر، حيث مضى نصفه، و بدأت أبعاض أوقاته تتلاشى لتحين أولى ليالي رمضان، ذلك الضيف الخفيف، الذي يبدأ، و فجأة ما يلبث أن نراه يودِّعنا. نقضيه في الطاعات و العبادات و القُرُبات، فما أصفى الإنسان و هو صائم. كالملائكة نهار رمضان. بل أفضل إن حَسُنَت نيَّته. فالملائكة مجلوبون على الطاعة. و نحن البشر مخيرين بين الشئ و ضده. "إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا و إِمَّا كَفُورًا". فبالطاعة التي نجاهد النفس فيها فنغلب أهواءها نرتقي لمراتب نورانية قد تكون أنورَ من نورانية الملائكة. و لله دَرُّ الكاتب العملاق عباس محمود العقاد حيث ذَكَرَ في إحدى كتبه عن المفاضلة بين الملائكة و الإنس و الجن فقال:
” ليست القداسة أن تكون نورًا وأنت نور، وليس الفخار أن تكون نارًا وأنت نار. وإنما القداسة والفخار أن تكون نورًا ونارًا وأنت تراب، وأن تسبح وتقدس وأنت قادر على الفساد والعدوان.”





و بين النور و النار يكمن صراع النفس في ترقِّيها أو تدَنِّيها.
و لرمضان سَبحات و تجلِّيات و فيوضات رحمانية لا يُدركها إلا مَن جاهد النفس و روَّضها على الطاعات الربانية.
و لرمضان سِماتٌ جمَّلتها الموروثات الثقافية، و التي أصبحت من جماليات رمضان.
فالأطفال يفرحون بقدومه رُغم أنهم غير مكلَّفين. يقضون نهاره في صراعٍ مع الوقت كي يقتنصوا يومًا كاملاً أو بعض يومٍ صائمين، يقضون ليله مرحًا و لعبًا بفوانيس بين رقيق أناملهم. يتبعون خطوات المسحراتي يرددون صياحه و يلعبون على قرع دقات طبلِه.

رمضان في مصر له سحرٌ خاص، مدفع الإفطار، مدفع السحور، خواطر الشعراوي، ابتهالات النقشبندي، الشيخ مصطفى إسماعيل و قرآن المغرب، أذان الشيخ محمد رفعت، و أخيرًا الشيخ محمد جبريل "إمام التراويح". و الذي أبكانا خشوعًا و خشيةً و تقوىً في دعاء القنوت. و الذي جعل بصوته الجميل الخاشع مسجد عمرو بن العاص يعج بالمصلين من أقاصي البلاد شرقها و غربها. و ليلة خَتم القرآن نحسبها في أنفسنا حجًا. نكاد نرى الملائكة تحفنا، نغيب عن الزمان و المكان في دنيا ابتهالاتك و دعاءك، لأكوانٍ لا نسمع فيها إلا همسًا، و دعاءك يملأ الفضاء فيزدان ليزداد رحابةً من "آمين" مِنَّا. 
رسالة أقدم

    Share This

0 التعليقات:

إرسال تعليق