أَبِنْتَار

 كل عام و أنتم بخير

غرة شعبان تلت ليلة الإسراء و المعراج، على أمل و رجاء من الله أنْ يُبَلِغَنَا رمضان.

"قال رسول الله صلَّى الله عليه و سلم": "رجب شهر الله، و شعبان شهري، و رمضان شهر أمتي"...... 


أيام مباركات نسأل الله أن ينعم علينا من فيض فضله و بركاته.

و الأمة الإسلامية تحتفي بهذه الأيام المباركاتِ كلٌ حسب موروثه الثقافي. فأسلوب الإحتفاء بهذه الأيام المباركات قد يختلف شكلاً لكن الجوهر واحد. فالإحتفاء في الهند يختلف عن الإحتفاء في نيجيريا يختلف عن فرنسا..... إلخ. و لكلٍ طابعه الذي يميزه عن غيره.

و للنوبة أيضًا طابع يميزها عن سائر الثقافات و الموروثات. و المرأة النوبية هي محور ارتكاز استقبال و وداع تلك المناسبات الجليلة.

فاستقبال مناسبة الإسراء و المعراج، يعتبر بمثابة إرهاصات الإستعداد لشهر رمضان الكريم. و شهر شعبان بمثابة شهر العمل لإستقبال الشهر المبارَك.

كيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــف؟

التهليل و الحمد و التكبير ليلة الإسراء و المعراج يبعثُ في النفوس الغِبطة و البهجة. فإسراء المصطفى  "صلَّى اللهُ عليهِ و سلَّم" و معراجه يُسري النفس صفاءً و يعرج بالروح لمقاماتٍ تبتغي مرضاة الله. الدُّور و المساجد تكبِّر و تُهَلِّل، بينما تبدأ النساء بالإتفاق على تنسيق الوقت سعيًا لجمع الحطب صبيحة أولى ليالي شهر شعبان. فالأم النوبية لديها من المهام المنزلية الكثير، و قد زادت تلك المهام مهمة جديدة لإستقبال خير زائر "شهر رمضان".

و جمع الحطب (دِتِّيه) هي أولى المهمات و أهمها للتزود بالوقود اللازم لخبز الـ(أَبْرِيه). حيث تخرج النساء بالبكور - بعد شاي الصباح - يحمِلنَ دِنانهن متجهين صَوبَ النيل لجلب الماء للشُّرب و غسل الملابس و الأواني. بعدها تقوم بإعداد الفطور. و بعد الفطور - و إلى أن يحين موعد الغداء - تخرج النسوة جماعات أو منفردات للحقول أو العراء لجمع الحطب - لاسيما عيدان المور الجافة؛ فهي من أجود أنواع الحطب اللازم للوقود - حتى وقت الظهيرة، ثم تعود الأم النوبية إلى منزلها لتجهيز وجبة الغداء. بعدها يذهب الجميع للدعة لأخذ قسط من الراحة. ثم تستيقظ الأم من قيلولتها قبل العصر بقليل لتجهِّز شاي العصر، ثم الخروج حاملة على رأسها الـ(كُنْتِيه) - تحوي غلال الُّذُّرة - ذاهبة إلى مطحن الغلال لتلحق بمكان يسعفها في الوقت قبل أن يكتظ المكان بطوابير النساء. فإن سمعت من منزلها صوت ضجيج الطاحون تُسرِع في الخُطَى؛ فقد تأخر بها الوقت و بالكاد ستجد دَورًا يهدر من وقتها دون داعٍ.


يأتي دورها، فتقدم غلَّتها للميزان و تدفع قيمة الطحن حسب الوزن. ثم تنتظر إلى أن يملأ عامل المطحن سلتها (كُنْتِيه) بالطحين.

ثلاثة أيام تُعادل ما سبق من مهام لطحن الغلال، و أسبوع كامل لجمع الحطب.

في اليوم الثالث من طحن الغلال تقوم الأم بغَرْبَلة الطحين لتضع الدقيق الصافي منه في دَنٍّ كبير و تصب عليه الماء الغزير، و تُقلِّبه حتى يمتزجَ عجينًا، إلى أنْ يتوقف التقليب فيهبط العجين يعلوه الماء بقدرٍ كافٍ. ثم تغطيه و تتركه قُرَابةَ أربعة أيامٍ ليختمِر - هذا إذا تزامنت المناسبة مع فصل الصيف، أما شتاءً فقد تمتد فترة التخمُّر إلى أسبوعِ كامل -.

سبعة أيامٍ كاملة كافية لجمع الحطب اللازم. أما العجين فقد تخمَّر و تهيأ للخبز.


هنا الأم أمامها أسبوع كامل لرشق مهمة خَبْز الـ(أَبْرِيه) بين واجباتها اليومية لإتمام مهمتها ليلة النصف من شعبان. الأمر يحتاج لتنسيق، و بركة الأيام المباركات تجعل لها سَعةً في الوقت.

تصعد الأم لسقف المنزل و قد امتلأ السقف بأعواد المور حطبًا للوقود. تأخذ منه ما يكفيها ذلك اليوم ثم تلقيه بفناء المنزل ليسهل عليها جمعه داخل (دِيونُّوجْ) حجرة الوقود/إعداد الطعام. ثم تقوم بكسره لأعواد قصيرة لتُدخِلَه بسهولة أسفل الدوكة (دِيو).


ها هي الآن تجلس في مواجهة الدوكة (دِيوْ) و قد توهج المكان من وهج النار و الدخان يتصاعد يعرف طريقه لطاقة مخصصة بسقف المكان - يعلم المارة أي خُبزٍ تخبزه من هيئة الدُّخان المتصاعد -.

تُورِي الأم النار و تدفع الحطب - الذي تحول لجمرٍ - أسفل الدوكة (دِيوْ)، ثم تُقطِرُ أعلى الدوكة (دِيوْ) بقطراتٍ من الماء، فإذا ما مسَّت القطرات سطح الدوكة (دِيوْ) و تصاعدت أبخرةً اطمأنت الأم إلى أنَ الوقت قد حان لخبز الـ(أَبْرِيهْ).

تُمسِكُ بالـ(فِتْشِّي) - و هي إناء مخصص لغَرف العجين و صبِّهِ على الدُّوكَة (دِيوُ). تستخدمه الآن لتقليب العجين الذي به من الميوعة أقرب للتماسك، و قد نَثَرَت عليهِ ذرَّات من المِلح، تُقلِبهُ جيدًا ليختلط العجين المائع.

الأم الآن بيدها قطعة من قماش و قد بللتها بقليلٍ من زيت الخروع (أَكُّنْ.نُّوُيْ) لمسح سطح الدوكة (دِيوْ) لإستقبال أول غَرفَة من عجين الـ(أَبْرِيه).

غَرْفَةٌ عجين بالـ(فِتْشِّي) تصبها على الدوكة (دِيوْ) ثم تفترشها بقطعة خشبية - رفيعة مستطيلة الشكل - (قِرْقِرِيبَة) تحركها يُمنةً و يُسرَةً إلى أن يرِقّ الخبز، ليتبقى عجين على سطح الـ(أَبْرِيه) تتخلص منه في إناءٍ جانبي غذاءً للدواجن.

تنتظر هنيهةً و هي تنفخ جاهدةً ما استمات من لهبٍ لتبث فيه روح الوَهَج لتُورِي النار بسيخٍ حديدي  (سِرْنْقْدِّي) توزع به النار أسفل الدوكة (دِيوْ)، لترى باكورة رقائق الـ(أَبْرِيه) تبتعد عن ملامستها الدوكة (دِيوْ) و كأنها قرص ذهبِيّ يحاول رفع يديه ليبتهل، و ما تفتأ - الهالة - أن تتخلِّص من حُمَّى الدوكة (دِيوْ) لتلتقطها الأم في وداعةٍ خشية أن تنكسر، و بكل هوادةٍ تضعها على الـ(شِوِرْ) كطفل نائمٍ تريحه برفق خشية أن يستيقظ. و ما أنْ تنتهي الأم من أداء مهمتها اليومية حيال استقبال شهر رمضان. تأخذ ما خَبَزَتهُ من رقائق الـ(أَبْرِيه) و تضعه برفق على أرائك (أَنْقَرِيه) في غرفة مخصصة للخزين (هَاسِلْ).

أقراصٌ تتراصّ بعضها فوق بعض إلى أن تنتهي حصتها اليومية من العجين.

و أيامٌ تجُرُّ أيام إلى أن تَخمَد نار الدوكة (دِيوْ) مع اكتمال القمر بدرًا يضيئ ليلة النصف من شعبان. وقتئِذٍ تقف الأم على باب غرفة الخزين (هَاسِلْ) لتنظر داخل الغرفة أقراص الذهب المتراصَّة بعناية، و التي أعَدَّتها لإستقبال شهر رمضان.

هذه الرقائق هي معنى عنوان مقالتنا (أَبِنْتَار)

رمضانُ ضيفٌ. نِعم الضيف و نِعم المضيف.

#الأم_النوبية_تُعلِّم_العالم_كيف_يكون_استقبال_الإنسان_لخير_الأزمان.

 

رسالة أحدث رسالة أقدم

    Share This

0 التعليقات:

إرسال تعليق